ابن الجوزي
174
زاد المسير في علم التفسير
بئس ما رأيت ، السلال الثلاث ، ثلاثة أيام ، ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهن ، فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك ، فقالا : ما رأينا شيئا ، فقال : ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) أي : فرغ منه ، وسيقع بكما ، صدقتما أو كذبتما . فإن قيل : لم حتم على وقوع التأويل ، وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله ، وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا يقع تأويله ، فلما قال : " قضي الأمر " ، دل على أنه بوحي . والثاني : أنه لم يحتم ، بدليل قوله : " وقال للذي ظن أنه ناج منهما " ، قال أصحاب هذا الجواب : معنى " قضي الأمر " : قطع الجواب الذي التمستماه من جهتي ، ولم يعن أن الأمر واقع بكما . وقال أصحاب الجواب الأول : الظن ها هنا بمعنى العلم . وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ( 42 ) قوله تعالى : ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما ) يعني الساقي . وفي هذا الظن قولان : أحدهما : أنه بمعنى العلم ، قاله ابن عباس . والثاني : أنه الظن الذي يخالف اليقين ، قاله قتادة . قوله تعالى : ( اذكرني عند ربك ) أي : عند صاحبك ، وهو الملك ، وقل له : إن في السجن غلاما حبس ظلما . واسم الملك : الوليد بن الريان . قوله تعالى : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) فيه قولان : أحدهما : فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال ابن إسحاق . والثاني : فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه ، وأمره بذكر الملك ابتغاء الفرج من عنده ، قاله مجاهد ، ومقاتل ، والزجاج ، وهذا نسيان عمد ، لا نسيان سهو ، وعكسه القول الذي قبله . قوله تعالى : ( فلبث في السجن بضع سنين ) أي : غير ما كان قد لبث قبل ذلك ، عقوبة له على تعلقه بمخلوق . وفي البضع تسعة أقوال : أحدها : ما بين السبع والتسع ، روى ابن عباس أن أبا بكر لما ناحب قريشا عند نزول ( آلم غلبت الروم ) ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا احتطت ، فإن البضع ما بين السبع إلى